تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
136
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
القولُ الثالث : إنّ دلالةَ الأمرِ على الوجوبِ بالإطلاقِ وقرينةِ الحكمة . وتقريبُ ذلك بوجوهٍ : أحدها : أنّ الأمرَ يدلُّ على ذاتِ الإرادة ، وهي تارةً شديدةٌ كما في الواجباتِ ، وأخرى ضعيفةٌ كما في المستحبّات . وحيث إنّ شدّةَ الشيءِ مِن سنخِه - بخلافِ ضعفِه - فتتعيّنُ بالإطلاقِ الإرادةُ الشديدةُ لأنها بحدِّها لا تزيدُ على الإرادةِ بشيءٍ ، فلا يحتاجُ حدُّها إلى بيانٍ زائدٍ على بيان المحدود ، بينما تزيدُ الإرادةُ الضعيفةُ بحدِّها عن حقيقةِ الإرادة . فلو كانت هي المعبَّرَ عنها بالأمرِ لكان اللازمُ نصبَ القرينةِ على حدِّها الزائد ، لأنّ الأمرَ لا يدلُّ إلّا على ذاتِ الإرادة . وقد أجيبَ على ذلك : بأنّ اختلافَ حالِ الحدّينِ أمرٌ عقليٌّ بالغُ الدقّةِ وليس عرفياً ، فلا يكونُ مؤثّراً في إثباتٍ إطلاقٍ عرفيٍّ يُعيِّن أحدَ الحدّين . ثانيها : وهو مركّبٌ مِن مقدّمتين : المقدّمةُ الأولى : إن الوجوبَ ليس عبارةً عن مجرّدِ طلبِ الفعلِ ، لأنَّ ذلك ثابتٌ في المستحبّاتِ أيضاً ، فلابدّ من فَرضِ عنايةٍ زائدةٍ بها يكونُ الطلبُ وجوباً ، وليست هذه العنايةُ عبارةً عن انضمامِ النهيِ والمنعِ عن التركِ إلى طلبِ الفعل ، لأنّ النهيَ عن شيءٍ ثابتٌ في بابِ المكروهاتِ أيضاً ، وإنما هي عدمُ ورودِ الترخيصِ في التركِ ، لأنّ هذا الأمرَ العدميَّ هو الذي يميِّزُ الوجوبَ عن بابِ المستحبّاتِ والمكروهات ، ونتيجةُ ذلك : أنّ المميّزَ للوجوبِ أمرٌ عدميٌّ ، وهو عدمُ الترخيصِ في الترك ، فيكونُ مركّباً مِن أمرٍ وجوديٍّ وهو طلب الفعل ، وأمرٍ عدميٍّ وهو عدمُ الترخيصِ في الترك ، والمميّزُ للاستحبابِ أمرٌ وجوديٌ وهو الترخيصُ في الترك ، فيكونُ مركَّباً مِن أمرينِ وجوديَّين .